فخر الدين الرازي

172

القضاء والقدر

واعلم ؛ أن الآفة الكبرى في هذا الباب : أن هؤلاء المحدثين لا يميزون بين حسن الظن وبين القطع واليقين . فنحن نسلم أنه يجب علينا إحسان الظن بهؤلاء الرواة . أما الجزم واليقين فلا سبيل إليه . وهؤلاء المحدثون ظنوا أن من سلّم حسن الظن بهؤلاء الرواة ، فقد سلم الجزم واليقين . وذلك بعيد . حضرت في بعض المجالس . فتمسك بعض الحشوية بما يروون : أنه عليه السلام . قال : « إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات » « 1 » فقلت : إنه لا يجوز إسناد الكذب إلى خليل اللّه بمثل هذا الخبر الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف . فقال الحشوي - كالغضبان عليّ - : كيف يجوز تكذيب الراوي ؟ فقلت له : العجب منك ومن دينك ، حيث تستبعد تكذيب الراوي ، ولا تستبعد براءة خليل اللّه عن الكذب ، ولو قلبت القضية لكان أنفع لك في دينك ودنياك « 2 » . الوجه الثاني في بيان أن خبر الواحد : مظنون الصحة : إنا إذا رجعنا إلى أنفسنا ، علمنا بالضرورة أن هذا الشخص لا يمكننا أن نجزم بصحة قوله ، إلا إذا تأيد قوله بالمعجزات ، أو بشيء من قرائن الأحوال . فأما مجرد الخبر الصادر عن هذا الإنسان ، فإنه لا يبعد أن يكون كذبا ، والعلم بحصول هذا الجواز ضروري . والثالث : أجمعنا على أن شهادة الشخص الواحد ، غير كافية . ولهذا السبب لما شهد

--> ( 1 ) حديث « إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات . . . » حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه كتاب الأنبياء باب قول اللّه تعالى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ( 4 / 171 ) وفي النكاح باب اتخاذ السراري ( 7 / 7 ) ومسلم في الفضائل باب فضائل عيسى عليه السلام ( 4 / 1840 رقم 2371 ) وأبو داود في الطلاق باب في الرجل يقول لامرأته : يا أختي ( 2 / 272 رقم 3212 ) والترمذي في تفسير سورة الأنبياء ( 5 / 321 رقم 3166 ) وأحمد ( 2 / 403 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه مرفوعا . ولفظه عند البخاري ومسلم ( لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات ) . ( 2 ) إني أعجب كيف يسلط الرازي التأويل على آيات القرآن الكريم الثابت قطعا ولا يسلطه على الحديث ! ويلجأ إلى تكذيب الراوي بله الرواة والمحدثين المصححين للحديث . ولفظ الحديث لا يعني الكذب بالمعنى المتبادر إلى الذهن وهو عدم مطابقة الخبر للمخبر أو للواقع بل سياق الحديث يدلك على أن المعنى هنا مختلف . فقد قال صلى اللّه عليه وسلم : ثنتين منهن في ذات اللّه عز وجل وهو قوله : إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا » وكلاهما في معرض المحاججة . والرازي قد التزم هذا في تفسيره . وأما الثالثة فهي من باب التورية وهو قوله : أختي والمقصد كما جاء في الحديث « ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك » أي أنها أخته في الدين . وليس هذا أيضا كذبا بالمفهوم العام للفظة . ومصدر الأولتين القرآن الكريم وهو قطعي الثبوت . وفي تفسير الرازي نفسه رحمه اللّه : « ثم إن هذا الخبر لو صح فهو محمول على المعاريض . » أما قوله تعالى : بل فعله كبيرهم هذا ) فقد قال فيه : « للناس فيه قولان : أحدهما : وهو قول كافة المحققين إنه ليس بكذب » ثم ذكر وجوها خمسة في تفسيره » . ( التفسير الكبير 22 / 185 - 186 ) وأما قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام ( إني سقيم ) فقد تكلف الرازي في تفسيره وجوها منها أنه نظر نظرة في النجوم في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه سقامة كالحمى في بعض ساعات الليل والنهار فنظر ليعرف هل هي في تلك الساعة . ومنها أنه نظر في علوم النجوم وفي معانيه . ومنها : أني سقيم بمعنى سأسقم ومنها : سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ . ومنها أنه كان له نجم مخصوص كلما طلع سقم . ومنها : إني سقيم بإطباق ذلك الجمع العظيم على الكفر والإشراك . ومنها أن ذلك على سبيل التعريض . . الخ . ( التفسير الكبير 26 / 147 - 148 ) .